كشفت صور الأقمار الصناعية عن تغيرات كبيرة أصابت عددًا من الأنهار والبحيرات والخزانات والمستنقعات حول العالم، مع تراجع المياه تحت تأثير الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتحويل مجاري الأنهار وزيادة الطلب من السكان والزراعة والمدن.
وفي بعض المناطق، حدثت هذه التحولات تدريجيًا على مدى سنوات طويلة، بينما اقتربت مسطحات مائية أخرى من الاختفاء خلال بضعة عقود فقط.
وتقدم هذه الصور دليلًا بصريًا واضحًا على سرعة تغير المشهد الطبيعي عندما تبدأ المياه في الانحسار، من أنظمة الأنهار في أمريكا الجنوبية إلى البحيرات المرتفعة في بوليفيا وخزانات المياه في غرب الولايات المتحدة.
ويعد نهر بارانا في الأرجنتين أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إذ يبلغ طوله نحو 4900 كيلومتر، ويأتي في المرتبة الثانية بين أطول أنهار أمريكا الجنوبية بعد الأمازون.
ويمثل النهر طريقًا تجاريًا رئيسيًا يربط البرازيل وباراغواي والأرجنتين، إلا أن صور الأقمار الصناعية الملتقطة بالقرب من ميناء روزاريو أظهرت انخفاضًا حادًا في مستوى المياه بعد سنوات من الجفاف.
وأدى هذا الانخفاض إلى انكشاف مساحات واسعة من قاع النهر وظهور جزر جديدة في وسط المجرى.
وفي بوليفيا، كانت بحيرة بوبو ثاني أكبر مسطح مائي في البلاد، وتقع على ارتفاع يقارب 3700 متر فوق مستوى سطح البحر، وتبلغ مساحتها السابقة نحو ألف كيلومتر مربع.
لكن الصور الملتقطة بين عامي 1984 و2020 كشفت تراجعًا هائلًا في المياه، حتى أصبحت البحيرة شبه جافة.
وساهم تحويل المياه والجفاف وارتفاع درجات الحرارة في تحويل جزء كبير منها إلى أرض ملحية، ما ألحق أضرارًا بمصائد الأسماك وبحياة المجتمعات الأصلية التي اعتمدت عليها.
أما بحيرة نغامي في بوتسوانا، فتقع عند الحافة الجنوبية الغربية لدلتا أوكافانغو، وتتأثر بصورة مباشرة بحجم المياه الواردة من النظام النهري المحيط.
وتقلبت البحيرة على مدار سنوات بين حالة الأراضي الرطبة والجفاف شبه الكامل، بينما جعلتها موجات الجفاف واضطراب تدفق المياه مهددة بالاختفاء.
وفي تشيلي، كانت بحيرة لاغونا دي أكوليو، الواقعة قرب سانتياغو، وجهة سياحية ومصدرًا مهمًا للمياه بالنسبة إلى السكان المحليين.
وأظهرت الصور بين عامي 2007 و2026 أن البحيرة التي كانت تجذب الزوار وتدعم المجتمعات المحيطة بها أصبحت شبه جافة.
ويرتبط اختفاؤها باستمرار الجفاف وتراجع الموارد المائية، لتصبح أحد أوضح الأمثلة على تقلص البحيرات في تشيلي خلال العقود الأخيرة.
وفي شمال غرب إيران، كانت بحيرة أورميا أكبر بحيرة مالحة في الشرق الأوسط، وبلغت مساحتها خلال تسعينيات القرن الماضي نحو ستة آلاف كيلومتر مربع.
لكن مساحة البحيرة تراجعت إلى نحو 581 كيلومترًا مربعًا، أي أقل من 10% من حجمها السابق.
وجاء هذا الانكماش نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها الجفاف المستمر واستخدام المياه في الزراعة وتحويل مجاري الأنهار والاستغلال المكثف للمياه الجوفية.
وتواجه أهوار الجبايش في جنوب العراق تحديات مماثلة، وهي جزء من أهوار بلاد الرافدين المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.
وتتغذى هذه الأراضي الرطبة من نهري دجلة والفرات، وتعد من أهم النظم البيئية في الشرق الأوسط، إلا أن صور الأقمار الصناعية أظهرت تغيرات واسعة طرأت عليها بين عامي 1984 و2020.
وفي جنوب مدغشقر، تعاني منطقة أمبوفومبي أزمة بيئية حادة بسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والعواصف الرملية الحمراء وتراجع هطول الأمطار.
وأدت هذه الظروف إلى تضرر مصادر المياه والأراضي الزراعية، وتراجع الزراعة التقليدية وتربية الماشية.
كما أسفرت الأزمة عن زيادة معدلات الفقر ودفع عدد من السكان إلى مغادرة مناطقهم بحثًا عن ظروف أفضل.
وفي شمال مالي، تقع بحيرة فاغيبين قرب الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى، وكانت تمتلئ سابقًا بمياه الفيضانات القادمة من نهر النيجر.
لكن الصور بين عامي 1984 و2020 أظهرت تقلصًا واسعًا في مساحة البحيرة بسبب انخفاض الفيضانات والجفاف وتراكم الرواسب.
وساهم جفاف البحيرة في تسريع التصحر، كما فقدت المجتمعات المحيطة جزءًا كبيرًا من مصادر المياه والمراعي وسبل العيش التقليدية.
وفي الولايات المتحدة، يمثل خزان بحيرة ميد، الواقع بين ولايتي نيفادا وأريزونا، أحد أبرز الأمثلة على تراجع مخزون المياه.
ويعد الخزان الأكبر في الولايات المتحدة من حيث السعة، وقد أُنشئ بعد بناء سد هوفر على نهر كولورادو خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
ويوفر الخزان المياه لملايين السكان في جنوب غرب الولايات المتحدة وأجزاء من المكسيك، لكن صور الأقمار الصناعية كشفت انخفاضًا حادًا في منسوب المياه خلال العقود الماضية.
وتظهر هذه المناطق التسع أن فقدان المياه لا يقتصر على اختفاء البحيرات والأنهار، بل يمتد تأثيره إلى الأنظمة البيئية والاقتصاد وحياة المجتمعات.
وقد تتمكن بعض هذه المسطحات من التعافي إذا تحسنت الظروف الطبيعية وأُديرت الموارد المائية بصورة أكثر كفاءة، بينما وصلت مناطق أخرى إلى مرحلة قد يصعب معها استعادة وضعها السابق.
ويحذر العلماء من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي إلى زيادة التقلبات المناخية الحادة، والانتقال السريع بين فترات الجفاف والأمطار الغزيرة، ما يضاعف الضغوط على موارد المياه في مختلف أنحاء العالم.



