قادت توجو، نيابة عن الاتحاد الأفريقي، الجهود الحثيثة لتمرير هذا القرار، مؤكدة أن خريطة مركاتور جعلت حجم أفريقيا يبدو أصغر من مساحتها الفعلية بشكل كبير. وأوضح القائمون على هذه المبادرة أن هذا التشويه أثر على التصورات الشائعة حول القارة في مجالات متعددة مثل التعليم والثقافة والجغرافيا السياسية والاقتصاد. ومن المتوقع أن يسهم التحول إلى الخريطة الجديدة في تصحيح هذه التصورات وإزالة الآثار المتبقية من النظرة الاستعمارية في المناهج الدراسية حول العالم.
خلال جلسة التصويت التي جرت في نيويورك، أيد القرار 164 دولة، بينما كانت الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي صوتت ضده، واعتبر ممثلها أن هذا القرار غير ضروري. كما امتنعت ست دول عن التصويت، دون الإفصاح عن أسبابها.
وقبل إجراء التصويت، أعلنت فرنسا دعمها الكامل للقرار. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في كلمة ألقاها بجامعة السوربون في باريس إن بلاده ستتخلى عن خريطة مركاتور لتعتمد بدلاً منها خرائط تعرض مساحات سطح الأرض بدقة أكبر، وذلك تماشياً مع توصيات رسامي الخرائط والعلماء المتخصصين. وتأتي هذه الخطوة الفرنسية في سياق سعي باريس إلى تعزيز علاقاتها مع مستعمراتها السابقة. وستعتمد فرنسا خريطة بديلة تعرف باسم خريطة إيكرت الرابع، التي تتميز بخصائص مشابهة للخريطة التي أوصى بها قرار الأمم المتحدة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الجهود تأتي في إطار حملة واسعة أطلقتها توجو تحت شعار “صححوا الخريطة”، حيث أشارت عريضة الحملة إلى أن حجم قارة أفريقيا يمكن أن يتسع للولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك مع بقاء مساحات إضافية من الأراضي. وقد حظيت الحملة بتأييد الاتحاد الأفريقي في أغسطس 2025، قبل أن يُكلف توجو بقيادة الجهود الرامية إلى اعتمادها دولياً.
وتخطط الحكومة التوجولية لتنظيم فعالية في العاصمة لومي خلال العام المقبل، بالتعاون مع منظمة اليونسكو والاتحاد الأفريقي وشركات تقنية كبرى مثل خرائط جوجل، وذلك لمناقشة آليات تنفيذ هذا القرار على أرض الواقع.
يُذكر أن خريطة مركاتور ابتكرها رسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس مركاتور عام 1569، بهدف مساعدة البحارة على تحديد اتجاهاتهم أثناء الإبحار. ومع مرور ما يقرب من خمسة قرون، أصبحت هذه الخريطة من أكثر الخرائط استخداماً في العالم. غير أن طريقة إسقاط سطح الأرض على خريطة مسطحة تؤدي إلى تشويه أحجام المناطق؛ إذ تبدو المناطق القريبة من خط الاستواء أصغر من حجمها الحقيقي، بينما تظهر المناطق الواقعة عند خطوط العرض المرتفعة أكبر من مساحتها الفعلية. ونتيجة لذلك، تظهر أفريقيا على الخريطة قريبة في الحجم من جرينلاند، رغم أن مساحة القارة الأفريقية أكبر منها بنحو 14 مرة.
وقد تعرضت خريطة مركاتور لانتقادات واسعة من المؤرخين والجغرافيين، الذين اعتبروا أنها كرست تصورات غربية خاطئة حول حجم ومكانة مناطق مختلفة من العالم. ويستخدم الناشطون مصطلح “الاستعمار الخرائطي” لوصف هذه الإشكالية، مؤكدين أن تصغير دول الجنوب العالمي بصرياً مقابل تضخيم دول الشمال قد ساهم في ترسيخ بعض التحيزات في مجالات مثل التجارة الدولية وأولويات التنمية والمناهج التعليمية. وكان المؤرخ الألماني أرنو بيترز من أبرز المنتقدين لهذه الخريطة، حيث طرح في عام 1973 خريطة بديلة تهدف إلى تقديم تمثيل أكثر توازناً لمساحات القارات.
من الجدير بالذكر أن قرارات الأمم المتحدة ليست ملزمة قانونياً للدول الأعضاء، لذا فإن الحكومات والمؤسسات لن تكون مطالبة باستخدام الخريطة الجديدة، كما لن يُمنع استخدام خريطة مركاتور القديمة. ومع ذلك، من المتوقع أن يؤدي هذا القرار إلى تحديث تدريجي لبعض المناهج الدراسية والتقنيات المستخدمة في الحياة اليومية، لتصبح الخرائط المعتمدة أكثر دقة وعدالة في تمثيل أحجام القارات.


