رفعت واشنطن التصنيف عن سوريا، لتعم الفرحة الشعبية ابتهاجاً بانتهاء مرحلة كانت تثقل كاهل البلاد وتمنعها من التحرك بحرية في السعي وراء مصالحها وتطلعاتها. لكن هذه الخطوة، رغم كونها نصراً دبلوماسياً يمكن البناء عليه، تبقى نتائجها الفعلية على الأرض رهينة بالنوايا الأمريكية الحقيقية وقدرتها على تحويل الشعارات البراقة إلى إجراءات ملموسة، خاصة وأن رفع العقوبات السابق لم يُترجم على أرض الواقع، حيث لا يزال الثمن الذي ينتظره السوريون كحق طبيعي لهم غير مدفوع، سواء في ما يتعلق بالحرب بالوكالة التي تشنها إسرائيل في لبنان أو في سوق التنازلات السياسية التي تنتظر التوقيع الرسمي عليها من دمشق.
في عالم السياسة، هناك تواطؤ غريب بين دول عظمى تمنح الآخرين حقوقهم وكأنها هبة منها، ودول أخرى تشتري حقوقها بتواضع يخجل من كرم الآخرين، وإن كان هذا الكرم يأتي من جيوب هذه الدول نفسها.
يرى الخبير الاقتصادي عيسى عبود أن القرار سيفتح أبواباً جديدة وآفاقاً لا محدودة أمام سوريا في جميع القطاعات. وأوضح عبود، وهو اقتصادي معني بدراسة هذا الجانب وتأثيراته، أنه على افتراض أن واشنطن لن تلتف على قرارها، فإن الخطوة ستشكل تقدماً كبيراً في مسار تعافي الاقتصاد السوري، وستزيل الشلل الذي كان يعيق اندماج البلاد في النظام المالي والتجاري العالمي، خاصة في القطاع المصرفي الذي تأثر بشدة بسبب تخوف البنوك والمؤسسات المالية الدولية من التعامل مع سوريا، نظراً لمتطلبات الامتثال والمخاطر القانونية المرتبطة بالتصنيف.
وأشار عبود إلى القطاعات التي تضررت سلباً من التصنيف، مثل التجارة والاستيراد والتصدير، خاصة فيما يتعلق بالسلع وتقنيات الطيران والطاقة والاتصالات، فضلاً عن عزوف رؤوس الأموال العربية والأجنبية عن الاستثمار في سوريا وإعادة الإعمار، والمعاناة الكبيرة التي واجهها قطاعا التأمين والشحن، وصعوبة الحصول على التمويل الدولي والمساعدات الأمريكية المباشرة، على غرار ما تحصل عليه مصر ودول أخرى.
وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة إحداث تحول حقيقي في البيئة الاقتصادية، على الرغم من القيود التي ما زالت مفروضة على الاقتصاد السوري حتى بعد رفع التصنيف، والتي يأمل السوريون في زوالها أيضاً. وأكد أن القرار سيعزز ثقة المستثمرين، وييسر التعاملات المصرفية والتحويلات المالية، ويخفض تكاليف الامتثال والتأمين والشحن، وسيتيح المجال أمام الاستثمارات والشراكات الخارجية في قطاعات حيوية مثل الطاقة والبنية التحتية والصحة والتعليم والاتصالات والزراعة.
من ناحية أخرى، يرى المحلل السياسي السوري إبراهيم العلي أن الولايات المتحدة تبيع دمشق الأوهام، لأن أثر هذه القرارات على الاقتصاد السوري يبقى صفرياً حتى الآن. وأوضح العلي أن اعتماد السوريين المطلق على الرئيس ترامب في رسم ملامح العلاقات الخارجية للبلاد ومحاولة انتزاع الحقوق عبره، جعله مجرد ظاهرة صوتية «تبيع الكلام وترش العطور»، مشيراً إلى أن دمشق لم تنجح في وقف التوغلات الإسرائيلية اليومية في الجنوب، ولا قصف المطارات السورية في الوسط والشمال. ولفت إلى أن الغطرسة الإسرائيلية تزداد تحت مرأى ترامب، وكان آخرها تجول وزير الدفاع الإسرائيلي في الجنوب السوري قبل ساعات.


