وفي هذا الإطار، كشف العميد سمير راغب، الخبير العسكري والاستراتيجي، عن مجموعة من الأسباب التي تفسر عدم التحاق مصر بهذه الاتفاقية، مشيرًا إلى أن الأمر يعود في الأساس إلى طبيعة السياسة الخارجية المصرية ورؤيتها في التعامل مع الأزمات الإقليمية.
وقال راغب، في تصريحات خاصة لموقع “مصراوي”، إن مصر كانت قد طرحت منذ عام 2015 مشروعًا لتشكيل قوة عربية مشتركة في إطار جامعة الدول العربية، حيث كان الهدف من هذا المقترح معالجة القضايا والتهديدات العربية عبر إطار عربي خالص، دون إدخال أطراف خارجية في هذه الملفات.
وأضاف أن الرئيس عبد الفتاح السيسي دعا خلال القمة العربية التي استضافتها مدينة شرم الشيخ في مارس 2015 إلى إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة لمواجهة التحديات التي تعترض الدول العربية، وذلك من خلال التنسيق بين الجيوش العربية.
وأشار راغب إلى أن هذا التصور لم يحظ بالقبول المطلوب رغم طرحه في إطار الجامعة العربية، وهو ما يعكس، برأيه، وجود اختلاف بين الرؤية المصرية وبين طبيعة الترتيبات الأمنية التي ظهرت لاحقًا في المنطقة.
وأكد أن المبدأ المصري في التعامل مع القضايا العربية يقوم على عدم إقحام أطراف أجنبية في الأزمات، وأن القاهرة تفضل حل هذه الملفات من خلال الإطار العربي، إلى جانب الاعتماد على الأدوات السياسية والدبلوماسية.
وفيما يتعلق باتفاقية مكة، أوضح راغب أن الترتيب الجديد يمكن النظر إليه باعتباره نوعًا من “تحالف الراغبين”، أي أن الدول التي ترى نفسها معنية بهذا الترتيب تتقدم للمشاركة فيه، مشيرًا إلى أن السعودية وباكستان وتركيا تجمعها اعتبارات جغرافية وأمنية واستراتيجية مشتركة، بينما تختلف حسابات مصر التي ترى أن لديها أولويات ودوائر أمن قومي أخرى، فضلًا عن طبيعة مختلفة في التعامل مع الأزمات الإقليمية.
وأوضح أن مصر من حيث القدرات العسكرية لا تقل عن الدول المشاركة في الاتفاقية، إلا أن الاختلاف يكمن في طبيعة العقيدة العسكرية والسياسة الخارجية.
وأشار الخبير العسكري إلى أن الجيش التركي لديه وجود عسكري في أكثر من دولة، من بينها سوريا والصومال وأحيانًا ليبيا، موضحًا أن العقيدة التركية تقوم في جانب منها على التواجد العسكري خارج الحدود والتعامل المباشر مع الملفات الأمنية في دول أخرى.
وأضاف أن الجيش الباكستاني لديه أيضًا استعداد للتعامل مع مثل هذه التحركات، بينما تختلف الرؤية المصرية في هذا الشأن، مؤكدًا أن أحد المبادئ الأساسية في السياسة المصرية يتمثل في عدم اللجوء إلى القوة وعدم حل الخلافات بالوسائل العسكرية، وأن مصر تعتمد بصورة أساسية على الدبلوماسية والتحرك السياسي في إدارة الأزمات.
وتابع راغب قائلًا: إن هذا لا يعني أن مصر تبتعد عن محيطها العربي أو عن حلفائها، وإنما يعني أن القاهرة تحدد طبيعة مشاركتها وفقًا للتهديدات المباشرة التي تمس أمنها القومي.
وأوضح العميد سمير راغب أن مصر كانت منذ البداية إلى جانب المملكة العربية السعودية في تحالف دعم الشرعية، لكنها لم تشارك عسكريًا بصورة مباشرة في العمليات، موضحًا أن القاهرة عندما تقرر المشاركة العسكرية فإن الأولوية تكون للتهديدات المباشرة التي تمس مصالحها وأمنها القومي.
وأضاف أن مصر والسعودية تربطهما علاقات قوية وقواسم مشتركة، وأن القاهرة ليست بحاجة إلى اتفاقية جديدة حتى تدافع عن المملكة إذا تعرض أمنها لتهديد مباشر.
وقال الخبير العسكري إن مصر والسعودية لا تحتاجان إلى اتفاقيات حتى تقف القاهرة إلى جانب الرياض، مؤكدًا أن العلاقات بين البلدين تتجاوز الأطر الرسمية للتحالفات العسكرية.
كما أشار راغب إلى أن مصر تحرص على الحفاظ على توازن علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية، لافتًا إلى وجود علاقات مصرية مع الهند وباكستان، فضلًا عن عودة العلاقات المصرية التركية إلى مسارها الطبيعي، موضحًا أن هذه العلاقات تمثل جزءًا من حسابات السياسة الخارجية المصرية، وتجعل القاهرة أكثر حرصًا على عدم الانضمام إلى تحالفات عسكرية قد تضعها في موقع طرف في مواجهة أطراف أخرى ترتبط معها بعلاقات ومصالح.
وأكد أن مصر تسعى إلى الحفاظ على مساحة واسعة للحركة السياسية والدبلوماسية، بدلًا من الدخول في تحالفات قد تحد من قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف.
وقال سمير راغب إن الاتفاقية الجديدة تمثل منفعة بالنسبة إلى السعودية والدول المشاركة فيها، لكنه لا يرى أن الأمر بالضرورة سيصل إلى مرحلة تصعيد عسكري مع إيران، وأن الهدف الرئيسي منها هو الدفاع عن الأراضي السعودية.
وأضاف أن مصر تتعامل مع الملفات الإقليمية من منظور مختلف، وأن القاهرة تحاول العمل على “تصفير” المشكلات في المنطقة، والحفاظ على التفاهمات السياسية بين مختلف الأطراف.
وأشار إلى أن وجود مصر ضمن الإطار السياسي والتنسيقي الإقليمي لا يعني بالضرورة ضرورة دخولها في الإطار العسكري، معتبرًا أن لكل دولة حساباتها الخاصة فيما يتعلق بالأمن القومي والتحالفات.
وأوضح الخبير العسكري أن الأمن القومي المصري لا يقتصر على منطقة الخليج، مؤكدًا أن القاهرة لديها دوائر أمنية أخرى ذات أهمية مباشرة، وفي مقدمتها الحدود مع ليبيا والسودان، إلى جانب منطقة القرن الأفريقي.
وأضاف أن الدول المنضوية في التحالف الجديد لن تتدخل بالضرورة في تلك الدوائر الأمنية التي تمثل أولوية بالنسبة لمصر، ولذلك فإن دخول القاهرة في التحالف قد لا يتوافق بشكل كامل مع أولوياتها الأمنية، مؤكدًا أن مصر عندما تقيّم أي تحالف أو اتفاقية فإنها تنظر إلى مدى توافقها مع مجمل دوائر أمنها القومي، وليس مع ملف واحد فقط.
ويرى العميد سمير راغب أن دخول مصر في اتفاقية عسكرية من هذا النوع قد يضعف الدور السياسي الذي تقوم به القاهرة في المنطقة، خاصة أن مصر تحاول الحفاظ على دورها كطرف قادر على التواصل مع مختلف الأطراف وحل الأزمات بالطرق السلمية.
وقال راغب إن انضمام مصر إلى تحالف عسكري قد يفقدها جزءًا من مساحة الحياد التي تحتاج إليها للتحرك السياسي، خاصة في ظل وجود علاقات مصرية مع أطراف متعددة في المنطقة، مؤكدًا أن الدور الذي تقوم به القاهرة كطرف سياسي في العديد من الملفات الإقليمية يمثل أحد عناصر قوتها، وبالتالي فإن الدخول في تحالفات عسكرية قد يؤثر على طبيعة هذا الدور.
واختتم العميد سمير راغب حديثه بالتأكيد على أن حل الصراعات في إطار سلمي يمثل أحد المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية المصرية.
وأوضح الخبير العسكري أن القاهرة لا تتعامل مع التحالفات العسكرية باعتبارها الخيار الوحيد لحماية مصالحها أو دعم حلفائها، وإنما توازن بين الأدوات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، وفقًا لطبيعة كل تهديد.
وأشار راغب إلى أن مصر تحرص تاريخيًا على الحفاظ على علاقاتها مع مختلف القوى، وعدم الدخول في ترتيبات قد تفرض عليها صدامًا مع طرف تربطها به علاقات سياسية أو اقتصادية أو أمنية.


