أصبحت الحماية من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي قضية ملحة في أمريكا اللاتينية، حيث تحولت هذه المنصات إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية والتعليم والتفاعل الاجتماعي، في وقت تتصاعد فيه المخاوف بشأن التعرض لمحتوى غير مناسب، والاستغلال الإلكتروني، والتنمر، وانتهاك الخصوصية، والإفراط في استخدام الشاشات.
وفي هذا الإطار، شرعت دول متعددة بالمنطقة، من بينها البرازيل وتشيلي والمكسيك وأوروجواي، في اتخاذ إجراءات متفاوتة لوضع إطار تنظيمي أكثر تشددًا لاستخدام الأطفال والمراهقين لهذه المنصات، فبعضها فرض قوانين نافذة، والبعض الآخر ما زال يدرس مشروعات أو يطلق مشاورات وطنية للوصول إلى أفضل صيغة تنظيمية.
البرازيل: قانون رقمي جديد للقاصرين
وتتصدر البرازيل الجهود في هذا الملف، بعد أن دخل “النظام الرقمي لقانون الطفل والمراهق” (ECA Digital) حيز التنفيذ في مارس 2026، وهو إطار قانوني مبتكر يهدف إلى حماية الأطفال والمراهقين في الفضاء الإلكتروني.
ويلزم القانون المنصات الرقمية بتنفيذ إجراءات تتعلق بالتحقق من العمر، والخصوصية، والرقابة الأبوية، والإعلانات، والألعاب الإلكترونية، ويشمل تطبيقات التواصل الاجتماعي وخدمات الفيديو ومتاجر التطبيقات وأنظمة التشغيل وكل الخدمات التي قد تصل إليها الفئة العمرية الصغيرة.
ومن أبرز ما جاء في القانون أن إعلان المستخدم عن عمره لم يعد كافيًا في الحالات التي تتطلب حماية خاصة، بل يتعين اعتماد آليات موثوقة للتحقق من السن، كما يشترط ربط حسابات الأطفال والمراهقين حتى سن 16 عامًا بحساب ولي أمر قانوني، مع منح الآباء أدوات للتحكم في الخصوصية والمشتريات ووقت الاستخدام والتواصل وخدمات التوصية وتلك المعتمدة على تحديد الموقع.
ويوازي ذلك توجه المنصات نفسها نحو تشديد إجراءات الحماية، إذ أعلنت شركة “ميتا” عن إعدادات أكثر تقييدًا للمراهقين في البرازيل على إنستجرام، تشمل تصفية المحتوى وفق معايير ملائمة للفئة العمرية، ومنع المراهقين من تعطيل بعض إجراءات الحماية دون موافقة الوالدين.
تشيلي: معركة سن الدخول إلى مواقع التواصل
وتشهد تشيلي جدلًا برلمانيًا مباشرًا حول تحديد السن القانوني الذي يمكن للأطفال والمراهقين من خلاله فتح حسابات على منصات التواصل.
ففي يناير 2026، تقدم مشروع يمنع التسجيل والدخول واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا، ولا يزال قيد الدراسة. كما ظهرت مبادرات أخرى في الكونجرس، أبرزها مشروع قدم في يونيو يدعو إلى حظر الوصول لشبكات التواصل تحت سن 14 عامًا، مع السماح لمن تتراوح أعمارهم بين 14 و16 عامًا بالاستخدام بموافقة الوالدين أو الوصي، فضلًا عن فرض آليات للتحقق من هوية المستخدم وعمره.
وتعكس هذه المقترحات قلقًا متناميًا بشأن تأثير الاستخدام المكثف للمنصات على الصحة النفسية والخصوصية والنمو، بالإضافة إلى صعوبة حماية الأطفال في بيئة رقمية تعتمد بشكل كبير على خوارزميات مصممة لجذب الانتباه وإطالة أوقات الاستخدام.
المكسيك: نقاش وطني قبل فرض القيود
وفي المكسيك، سلكت الحكومة مسارًا مختلفًا يقوم على إطلاق حوار مجتمعي وتشريعي واسع حول استخدام الأطفال والمراهقين للوسائط الرقمية.
وأعلنت الرئيسة كلوديا شينباوم عن تنظيم منتديات إقليمية بهدف إعداد مقترح لتنظيم استخدام المنصات ومواقع التواصل من قبل الأطفال والمراهقين، على أن يُعرض لاحقًا على الكونجرس. وأكدت الرئاسة أن الهدف هو حماية الطفولة والشباب، مع دراسة تأثير الاستخدام المفرط أو السيئ لشبكات التواصل.
وفي الأثناء، توجد بالفعل مبادرات تشريعية داخل الكونجرس المكسيكي تدعو إلى قيود أكثر صرامة، من ضمنها مقترح يحظر فتح واستخدام حسابات مواقع التواصل لمن دون 15 عامًا، مع فرض آليات فعالة للتحقق من العمر، وحماية البيانات الشخصية ومنع استخدامها في أنظمة التوصية أو الإعلانات التي قد تحفز السلوك الإدماني أو تؤثر على نمو المراهقين. ولا يزال هذا المقترح قيد الدراسة.
أوروجواي: من الحظر إلى بناء قواعد أكثر أمانًا
أما أوروجواي، فالتركيز فيها لا ينصب على قانون موحد يحدد سنًا محددة لحظر مواقع التواصل، بل تتجه البلاد إلى حوار أوسع حول مستقبل علاقة الأطفال بالبيئة الرقمية.
ففي يونيو 2026، أطلقت مؤسسات برلمانية وحكومية ومجتمعية مشاورات عامة حول تأثير شبكات التواصل والمنصات والألعاب والذكاء الاصطناعي والخوارزميات على الأطفال والمراهقين، بهدف الاستماع إلى جميع الأطراف وبحث سبل حماية الحقوق الرقمية للقاصرين.
كما تتضمن خطة الحكومة المفتوحة للفترة 2025-2029 إنشاء مرصد لأدوات التكنولوجيا الرقمية الموجّهة للأطفال والمراهقين، لمتابعة المخاطر والفرص المرتبطة باستخدام الألعاب والمنصات ومواقع التواصل، وتوفير معلومات تساعد الأسر والمدارس على اتخاذ قرارات أكثر أمانًا.
معركة واحدة وقواعد مختلفة
وعلى الرغم من تباين النهج بين دول أمريكا اللاتينية، فإن القاسم المشترك هو الإقرار بأن القواعد التقليدية لم تعد كافية لحماية الأطفال في عالم رقمي سريع التغير.
فالبرازيل طبقت تشريعًا شاملاً يفرض مسؤوليات مباشرة على المنصات، بينما تدرس تشيلي حظرًا قائمًا على العمر، وتناقش المكسيك قيودًا جديدة من خلال حوار وطني ومشروعات تشريعية، في حين تتحرك أوروجواي نحو إطار جماعي لرصد المخاطر وصياغة سياسات أكثر أمانًا.
وتأتي هذه التحركات ضمن موجة دولية أوسع لإعادة النظر في سن استخدام مواقع التواصل وآليات التحقق من العمر، إذ تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن معظم القوانين والمقترحات العالمية تتركز حول سن 15 أو 16 عامًا، مع اختلاف آليات التطبيق من دولة إلى أخرى.
لكن التحدي الأكبر لا يقتصر على تحديد عمر مسموح به للدخول إلى المنصات، بل يتعلق بكيفية تنفيذ هذه القيود دون انتهاك خصوصية الأطفال أو جمع كميات مفرطة من بياناتهم الشخصية.
وبينما تتجه الحكومات إلى تحميل شركات التكنولوجيا مسؤولية أكبر، يبقى السؤال الأصعب: هل تستطيع التشريعات مواكبة منصات تتغير خوارزمياتها وطرق استخدامها بسرعة أكبر من قدرة القوانين على اللحاق بها؟
المؤكد أن أمريكا اللاتينية بدأت بالفعل فتح هذا الملف، وأن مستقبل علاقة الأطفال بمواقع التواصل لم يعد شأنًا عائليًا فقط، بل تحول إلى قضية تشريعية ورقمية تتسع يومًا بعد آخر.


